سلطت دراسة جديدة للمرثيات التي تعود إلى العصور الوسطى والتي عثر عليها في أنقاض مدينة بريسلاف القديمة، الضوء على فرن الصهر الفريد الذي تشكلت فيه أول مملكة بلغارية.

يعتبر العلماء أن النقش الموجود على شاهد قبر تشيرغوبيل موستيتش، الذي تم اكتشافه في عام 1952، دليل نادر على كيفية تشابك التقاليد البيزنطية والسلافية والتركية في البلقان في القرن العاشر.
ثلاث لغات في حجر واحد
قام العالم في جامعة إسطنبول علي أكبر ساين بتحليل شاهدة الحجر الجيري المحفوظة اليوم في متحف صوفيا الأثري، وفقًا لتقارير Arkeonews. على عكس معظم الآثار البلغارية المبكرة المكتوبة باللغة اليونانية، تم نقش النقش الموجود على شاهد القبر هذا باللغة السلافية الكنسية القديمة، ولكنه تأثر بشدة بالتقاليد الكتابية اليونانية في العصور الوسطى.

يكشف التحليل اللغوي عن ثلاث طبقات متميزة داخل النص:
- 60% – مفردات الكنيسة السلافية القديمة؛
- 20% – مصطلح ديني يوناني مسيحي؛
- 20% – الألقاب والأسماء الشخصية باللغة التركية (Proto-Bulgari).
يوضح هذا المزيج بوضوح بنية المجتمع البلغاري المبكر: كانت اللغة السلافية هي الأساس الحي، وكانت اليونانية لغة المعتقدات والثقافة العالية، وتم الحفاظ على الجذور التركية للنخبة الحاكمة في نظام المسؤولين الحكوميين.
لعب الحكام الأتراك (خانات) البلغار (البلغار) دورًا مهمًا في إقامة الدولة في البلقان بدءًا من القرن السابع. كان مؤسس بلغاريا الكبرى هو كوبرات، وقام ابنه أسباروخ بإنشاء نهر الدانوب بلغاريا (681)، ووحد القبائل التركية مع السلاف. كان مؤسسو الدولة البلغارية ممثلين عن الطبقة الأرستقراطية التركية البدوية، الذين استقروا في نهاية المطاف واندمجوا مع السلاف.
المهنة والإيمان و”القميص الأسود”
تم إهداء المسلة إلى موستيك، وهو شخصية رفيعة المستوى خدم في عهد ملكين عظيمين: سمعان (893-927) وبطرس (927-969). يشير النص إلى أنه كان يحمل لقب إيشيرغو بويلا، أو باللغة السلافية “تشيرنوغوبيل” – ربما كان موستيتش هو الشخص الثالث في الولاية، المسؤول عن النظام الداخلي وقيادة الحامية المركزية.
ومع ذلك، فإن الحقيقة الأكثر أهمية في سيرته الذاتية هي القرار الذي اتخذه في سن الثمانين. تخلى موستيك عن السلطة والثروة، وأصبح “راهبًا” – وهذا يعني تبني أسلوب حياة رهباني. يوضح هذا الفعل المكانة المتزايدة للمسيحية بين الطبقة الأرستقراطية، حيث سعى حتى أقوى الرجال إلى الخلاص الروحي في نهاية حياتهم.
فترة انتقالية في التاريخ
يسجل نقش موستيتش نقطة تحول في الثقافة الإقليمية: الانتقال من تقليد الكتابة في المقام الأول باللغة اليونانية إلى الأدب السلافي. في القرنين التاسع والعاشر، بدأت الكتابة السلافية تحل محل اللغة اليونانية في المجال الإداري والطقوسي للإمبراطورية البلغارية.
إن نصب موستيك ليس مجرد شاهد قبر، بل هو أيضًا “إطار متجمد” لمجتمع يمر بعملية التحول. ويوضح أن هوية البلقان لا تتشكل بمعزل عن التفاعل الديناميكي بين العديد من الثقافات. واليوم، تعد هذه القطعة الأثرية الهجينة بمثابة تذكير بتقاطع السلطة السياسية والدين واللغة لإنشاء أساس الحضارة السلافية الحديثة.






