في نهاية عام 2025، قدم علماء الأعصاب ومصممو النماذج الحسابية نتيجة اعتبرت منذ فترة طويلة بعيدة المنال من الناحية الفنية: تمت إعادة إنشاء القشرة الدماغية للفأر كنموذج حاسوبي عامل، مع الأخذ في الاعتبار السلوك الكهربائي الواقعي للخلايا العصبية وبنية الاتصال الخاصة بها. اقرأ المزيد في مقال رامبلر.

وتم إجراء المحاكاة على الكمبيوتر العملاق فوجاكو الياباني، وهو أحد أقوى أنظمة الكمبيوتر في العالم. لا يتعلق الأمر بـ “الدماغ في الكمبيوتر” بالمعنى المعتاد، ولا يتعلق الأمر بمحاولة خلق وعي اصطناعي. هذا نموذج علمي مصمم لدراسة سلوك الأنسجة العصبية في ظل ظروف لا يمكن أن تتكاثر في كائن حي. في بيئة رقمية، يستطيع الباحثون إيقاف العمليات، وتغيير المعلمات، وتكرار التجارب، وتحليل تأثير التغييرات الفردية – من مستوى الخلايا الفردية إلى الشبكة بأكملها.
ما هو هذا النموذج بالضبط؟
غالبًا ما يُطلق على المشروع في المنشورات اسم “الدماغ الرقمي”، ولكن سيكون من الأصح الحديث عن محاكاة واقعية من الناحية الفسيولوجية للقشرة الدماغية للفأر. يتمثل الاختلاف الأساسي بين هذا النموذج والشبكة العصبية المجردة في أن الخلايا العصبية فيه تخضع للقوانين الفيزيائية والبيولوجية: حيث يتم أخذ الإمكانات الكهربائية والاختلافات بين أنواع الخلايا وطرق نقل الإشارات عبر المشابك العصبية في الاعتبار.
وفقًا للمطورين، يتضمن هذا النموذج حوالي تسعة إلى عشرة ملايين خلية عصبية وحوالي 26 مليار اتصال متشابك. لم تعد هذه قطعة موضعية من الأنسجة، ولكنها محاولة لتجميع نموذج وظيفي متكامل للقشرة الدماغية. في الوقت نفسه، أولى المؤلفون اهتمامًا خاصًا بالحفاظ على البنية الحقيقية للاتصالات: من المهم ليس فقط الحصول على النشاط، ولكن أيضًا التأكد من نشوئه لنفس الأسباب التي تنشأ في الدماغ الحي.
العودة من الموت: كيف يمكن للعلماء إحياء الدماغ والقلب
وأكد أنطون أرخيبوف، أحد مؤلفي المشروع المشاركين، أن النماذج المصغرة تظهر أحيانًا سلوكًا مشابهًا، ولكن لأسباب بيولوجية خاطئة. ونقلت كلماته في صحافة الميكانيكا الشعبية. في هذه الحالة، يتم التركيز على تكرار الآلية وليس النتيجة فقط.
لماذا هذا ممكن فقط على أجهزة الكمبيوتر العملاقة؟
يتطلب النموذج بهذا المستوى من التفاصيل موارد حسابية هائلة. على عكس الحوسبة المرئية أو الإحصائية، يجب أن تأخذ المحاكاة في الحسبان بشكل مستمر التغيرات في الحالة الكهربائية لملايين الخلايا ومليارات الاتصالات عبر الزمان والمكان.
ولذلك، يعتمد المشروع على قدرات Fugaku وقدرتها على التوسع عبر عشرات ومئات الآلاف من العقد الحسابية. تشير الوثائق المقدمة في مؤتمر SC'25 إلى أنه تم إجراء الحسابات على النطاق الكامل للنظام – أكثر من 145 ألف عقدة.
إن استخدام Fugaku هنا ليس عرضًا للقوة التكنولوجية بغرض خلق تأثير. وهذه ضرورة تقنية: فمع قلة الموارد، يفقد النموذج الدقة البيولوجية أو يصبح غير مناسب من حيث السرعة وسعة الذاكرة.
الفرق من الذكاء الاصطناعي
على الرغم من التشابه الخارجي للمصطلحات، فإن النمذجة الرقمية للقشرة الدماغية لا ترتبط مباشرة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة. يتم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على البيانات وتحسين نتيجة محددة – التعرف على الصور، وترجمة النصوص، والتنبؤ. تم اختيار بنيتها الداخلية للكفاءة وليس المعقولية البيولوجية.
وفي هذه الحالة، فإن الهدف هو عكس ذلك: إعادة إنتاج علم الأعصاب الحقيقي، حتى لو كان ذلك مكلفًا حسابيًا ولا يؤدي إلى نتائج مفيدة بالمعنى التطبيقي. إنها أداة بحث وليست آلة لحل المشكلات.
لماذا يحتاج علم الأعصاب إلى مثل هذه الأداة؟
القيد الرئيسي لعلم الأعصاب الكلاسيكي هو عدم القدرة على مراقبة الدماغ كنظام واحد. تسجل التجارب عادةً نشاط المناطق الفردية أو مجموعات الخلايا العصبية، وغالبًا ما يكون ذلك بشكل غير مباشر. تتيح لنا النمذجة الرقمية رؤية القشرة الدماغية كشبكة متكاملة واختبار الفرضيات السببية.
القيمة العملية لهذه الطريقة ملحوظة بشكل خاص عند دراسة الأمراض. في النموذج، يمكنك تغيير معلمات كل نوع من الخلايا بشكل مصطنع، أو إضعاف أو تقوية الاتصالات، أو الإخلال بالتوازن بين الإثارة والتثبيط – ومعرفة كيف يؤثر ذلك على عمل الشبكة بأكملها.
وهذا مهم بالنسبة للحالات التي لها تفسيرات متعددة: الصرع، والأمراض التنكسية العصبية، واضطرابات النمو. في الدماغ الحي، تكون مثل هذه التجارب مستحيلة أو مقيدة أخلاقيا وتقنيا؛ وفي المحاكاة، تصبح قابلة للتكرار ويمكن التحكم فيها.
قيود البحث
ويؤكد مؤلفو الدراسة أن النموذج الحالي هو دليل على جدوى هذا النهج، ولكنه ليس شكلاً كاملاً. ولا يزال لا يأخذ في الاعتبار بشكل كامل عمليات اللدونة – التغيرات في الاتصال تحت تأثير الخبرة، وكذلك دور المعدلات العصبية، التي تنظم نشاط الشبكات العصبية كيميائيًا.
بالإضافة إلى ذلك، لا تعمل القشرة الدماغية بشكل منعزل. تلعب الهياكل تحت القشرية، والمدخلات الحسية، واستجابات الجسم دورًا مهمًا، وبدونها يظل النموذج غير مكتمل.
تم التأكيد بشكل خاص على أن المشروع ليس له أي أساس للحديث عن الوعي الرقمي. لا يزال العلم لا يمتلك معيارًا عالميًا يسمح لنا بتحديد وجود الوعي حتى في الكائنات الحية، ناهيك عن المحاكاة.
وبالتالي فإن الأهمية الرئيسية للعمل تكمن في مزيج من ثلاثة عوامل: ظهور خرائط تفصيلية للقشرة الدماغية، وتوافر البنية التحتية لمعالجتها، والتحول في البحث العلمي ــ من الملاحظة إلى اختبار الفرضيات. بشكل أساسي، يتخذ علم الأعصاب اليوم خطوة نحو النهج الهندسي، باستخدام المحاكاة كوسيلة لتحليل الأنظمة.
لقد كتبنا سابقًا حول ما إذا كان من الممكن إنشاء نسخة رقمية طبق الأصل من الوعي البشري.








